لا أستطيع وصف ما رأيته الليلة بغير هذا الوصف، هو نوع من صدام الأجيال، السيد صلاح عيسى مع صحفيين آخرين يناقشون قضية ما ينشر ومالا ينشر في الصحافة المصرية، لفت انتباهي بشدة قبولهم للرقابة على الخبر من حيث المبدأ، وهو ما أثار انفعالا ما في صوت منى الشاذلي، فصار الموقف كأنها شابة تناقش مجلسا من الشيوخ..
اثارني اعتبار صلاح عيسى أن من حقه أن يعمل معاييره الخاصة في نشر أو عدم نشر خبر ما، ولو كان بحجم توترات طائفية تحصل في نفس البلد..لا اعتراض لدي بالفعل على المبدأ، خاصة فيما يتعلق بمدى أهمية الخبر وموافقته لمجال الجريدة من عدمه، وكذا لا اعتراض على ذلك في مقالات الرأي، فهذا ما يفعله الجميع!
لكن العجيب والغريب هي فكرة الوصاية على المعلومة التي أوحت إلي شخصيا أن الأستاذ صلاح لا يزال يعيش في تلك العصور التي ظننت أن ظهور تطبيقات ويب 2.0 قد أتت عليها وغيرت شكل وطريقة نقل المعلومة ومصادر الأخبار!
الأستاذ صلاح كان مضمون حديثه أن نشر خبر توتر طائفي في الجرائد هو من شأنه أن يحرّض الناس ويزيد من التوتر، فمسؤوليته الوطنية كإعلامي هي التكتم، وبالتالي هي مسؤولية كل إعلامي، فإذا فعل الصحفيون فعله سوف تموت هذه الفتنة بعد أن قطعنا عنها الوقود..حسنا يا أستاذ صلاح هذا الكلام قد عفا عليه الزمن!..ففئة المثقفين ورجال الصحافة والاعلام وسيطرتهم على منبر المرسل في علاقة أحادية الاتجاه بين الاعلام والجمهور، قد ولت منذ سنوات معدودة، ظننت أن ذلك كان واضحا في مصر عندما سكت كل صحفي عن أحداث فرضت نفسها عليهم فيما بعد لما تناولها المدونون!
نشر الخبر يا أستاذ عيسى لم يعد اليوم مهمة ينفرد بها الصحفي، بل كثيرا ما أصبح الصحفي بل ووكالات الأنباء هم مجرد ناقلين، عن صانعي الخبر الأساسيين، الذين قاموا بصياغته ونشره بأنفسهم، والحمد لله الذي منحنا هذه المنحة، حتى أتمكن من قراءة الأخبار بحرية بعيدا عن معايير رؤساء التحرير الشخصية وأهواء كل منهم..
نحن أيضا نعمل معاييرنا الشخصية في النشر من عدمه، لكن أحدا لا يدفع لي ثمن جريدة أفرض عليه بعدها معاييري الشخصية فيما يجب أن يعرف أو لا، وإذا قلنا أن من يشتري جريدة رئيس تحريرها هو صلاح عيسى دائما ما يكون شخصا قد ارتضى معايير صلاح عيسى، فالحمد لله أنني لم أعد اليوم مضطرا لشراء الخبر بمعايير أي أحد، وانما أصبح من المتاح أيضا أن أرجع للخبر كما يرويه صانعه أو شاهد عليه وتعليق كل معلق عليه دون المرور عبر معايير أحد..
إن ما لن ينشره الأستاذ صلاح عيسى وما لن ينشره أي صحفي هو متاح اليوم، كما أن ما نشروه أيضا متاح على هذا الفضاء الواسع..الحمد لله!
| |
