يبدو لأي متابع لردود الأفعال على القصف الأسرائيلي لغزة، خاصة في الساعات القليلة الأولى، بأن الخبر عن دور النظام المصري في القصف. كل من يتكلم على الجزيرة يدعو المواطنين العرب للخروج للشارع، و بالطبع لا أحد بعلم الخروج للشارع لأي هدف، ما هو الحل؟
تنتهي التهدئة بين مسؤلي حماس و الحكومة الإسرائيلية -التهدئة التي خرقتها كل من إسرائيل و حكومة حماس أكثر من مرة. أثناء التهدئة تحاصر إسرائيل غزة و تمنع مرور كل ما يلزم القطاع، و تدعي أن السبب هو أن صواريخ حماس لم تتوقف و إن قلت. تعلن إسرائيل بصورة رسمية سعيها لتهدئة جديدة، و لكنها تهدئة فارغة من المعنى فإسرائيل تحاصر القطاع منذ شهور. تبدأ حماس في إطلاق عدة من صواريخها البمب التي منذ أنتهاء التهدئة حتى قبل بداية القصف أدت لمقتل فتاتين فلسطنيتين تعيشان بداخل القطاع فقط. تبدأ إسرائيل حملة إعلامية و ديبلوماسية كبيرة لأخبار العالم بأنهم مضطرين لضرب غزة، يا حرام دفاعا عن النفس، بداية من الأمم المتحدة ، لمسؤلي الحكومات المختلفة. تخرج كل الصحافة في العالم لتؤكد اقتراب ضربة عسكرية واسعة النطاق. تعلن مصر بصورة رسمية دعوتها للطرفين للاتفاق على تهدئة جديدة فيسارع الطرفان ليعلنا أن كلاهما لم يطالب بتهدئة جديدة أصلا. تأتي ليفني إلى مصر و تثير الشك العام بأن مصر على علم مسبق بموعد الضربة لكن مصر و إسرائيل تنفيان. لا يوجد أي شك في ما سيحدث.
تتصرف حماس بصفتها حكومة حقيقية، و ليست مجموعة مقاومة، فتدير القطاع من أماكن إدارية عادية، و كل شيء خاضع للتصوير بل و تخرج في مشاهد كوميدية لترينا كيف تصنع و تطلق صواريخها اللولبية، على عكس حزب الله في 2006 الذي كان يتعامل كمنظمة مقاومة سرية فأستطاع أن يحقق أقل الخسائر الممكنة.
تبدأ عملية قصف دقيقة لأهداف إدارية و عسكرية بغزة. أول يوم للقصف في غزة هو الأشد في تاريخ الصراع الفلسطيني - الصهويني. تعرض لنا الجزيرة كالعادة صور القتلى; أغلبية ساحقة من شباب حماس مُلقى في الشوراع على الأرض أجسادهم بحالة جيدة باستثناء خطوط من الدم من الأنف و الفم، و لكن قتلى بسبب قنابل الهواء المضغوط. تضرب إسرائيل القطاع بصورة مكثفة و متتالية بالطيران، و تطلق حماس و الفصائل الآخرى ما يقرب من 80 صاورخا على مدن و مستوطنات إسرائيلية. تمرر مصر عن طريق معبر كرم أبو سالم للأراضي الإسرائيلية عربات الإغاثة و المساعدات، و تدخل إسرائيل ما يقرب من 150 عربة محملة بمواد إغاثة. تبعا للجزيرة - التي تعرض صور القتلى و تعدهم بصورة مهينة - عدد القتلى يكاد يصل ل 300 و عدد المصابين ل 1000 من الجانب الفلسطيني. و على الجانب الإسرائيلي، قتيلة واحدة و بضعة مصابين باصابات طفيفة. تستمر إسرائيل في ضرب القطاع جوا و تهدد و تستعد لمواجهة برية.
كل هذا مقيت. لكن الغريب فعلا هو ردود الأفعال. بغض النظر عن ادعاء حماس الخضة مما حدث - و الذي كان يعرف العالم كله أنه سيحدث و إن كانت المفاجأة كانت في حجم العملية و دقتها في اليوم الأول، فالمبهر هو متاجرة جميع الأطراف بابتذال - حتى وزارة الدفاع الإسرائيلية!!- بمواطني غزة. يستفيد الجميع مما يحدث إلا طرف واحد : الفلسطينيين كالعادة. فإسرائيل تضعف من قوة حماس و تستثمر من أجل أنتخابتها القادمة. بينما فتح ترى الوضع كصراع لتسترجع السيطرة على قطاع غزة شبه المستقل تحت إدارة حماس،. قيادة حماس لا أفهم فعلا بما تفكر، إلا بأنها مش فارقة معاهم و غالبا قياداتهم بأمان. و تقامر بأرواح مواطنيها المصابين ،للضغط على مصر لفتح معبر رفح بلا شروط.
يخرج الجميع ليعلن للمواطنين العرب أن الأمر بأيديهم ، لا يشرح أحد كيف، فقط الخروج للشارع. بالفعل يخرج الكثيرون في بيروت و عمان و يحاصرون السفارة المصرية هناك! لا يوضح أحد ماذا ينتظر من مصر. في مصر على الجانب الآخر يتحدث النظام عن أنه لا علم له بالضربة بدقة، و إن كان قد حذر حماس بقدومها - الأمر الذي أنكرته حماس رغم أن العالم كله كان يعرف. و تقول بأن النظام سيقوم يفتح المعابر للمصابين و هو ما ترفضه حماس. المواطنون المصريون مطلوب منهم مهمة جبارة أن يغيروا الوضع، كيف؟ لا أظن أن أحد لديه خطة. لن يخرج الموضوع عن منادة المعارضة بكل أطيافها بحلول غير سياسية لا تخرج عن شعارات المظاهرات نفسها.
توقفت حماس منذ مدة طويلة عن أي عمليات مباشرة ضد أهداف عسكرية إسرائيلية. لا إمكان لعمليات بقنابل بشرية. فالحل إطلاق صورايح سيئة الجودة لا يمكن لها استهداف أهداف عسكرية بعينها. فيصير الحل الوحيد ضرب مناطق سكنية إسرائيلية لمحاولة ضمان إصابة أي أحد. تدعي إسرائيل ان تلك الصورايخ ضد المدنيين هي السبب في القصف، و على الناحية الآخرى تتدعي حماس أنها كده كده ماكنتش فارقة، و أنها مجرد تلكيكة. و لكن تتوعد بعمليات تستهدف المقاهي و الشوارع الإسرائيلية !
يبدو الغضب غير الموجه كعلامة لشيء واحد يظهر كلما تحدثنا عن القضية الفلسطينية، أو مررنا باحدى الأحداث الدامية. لا أحد يعرف ماذا يجب أن يحدث. ماذا يمكن للنظام المصري -حتى إن أراد- ان يفعل لوقف مأساة الغزاويين؟ ماذا يمكن للشعوب العربية أن تفعل لتوجه حكوماتها -و إن أمكن ، ما هو الهدف؟
الحكومة المصرية تمرر المساعدات و حتى الإسرائيلية تمررها لتستطيع أن تطيل الضربة بأقل معارضة دولية، ما المطلوب؟
يبدو السؤال صعب إجابته خارج شعارات المظاهرات لأن ببساطة لا أحد يعرف. ليست المشكلة فقط في شعارات الاتجاهات السياسية الإسلامية في تلك المظاهرات، لكن أيضا في باقي الاتجاهات القومية و اليسارية. ما المطلوب؟
نهرب من الأسئلة الحقيقية، من ما مدى فاعلية العمليات ضد المدنيين الإسرائيليين ، إلى ما الهدف و ما حل القضية كلها؟ نهرب من تلك الاسئلة بالدعوة لأن تقوم مصر بدورها و كأن حكومة حماس ليست المسؤلة عن القطاع. أو بالتهديد بحرب مقدسة بيننا - نحن المسلمون - و بينهم -هم اليهود!
النظر لخطاب حماس و مؤيديها مضحك. تجد البعض يتحدث عن الصمود و النصر. ما هو الصمود؟ أن تظل حماس في السلطة في القطاع؟ أن يحتملوا القصف بدون اللجوء للتهدئة؟ أين مصلحة الشعب هنا؟
ما نحتاجه هو أن نعرف هو الهدف؟ هل الهدف الأقصى هو توقيف القصف على غزة؟
للأسف أصبح التفكير ذمة، فكلما قامت أسرائيل بعمل دموي تجاه أي دولة من المنطقة، تصبح الفكرة هي الولولة. لنعرف بأن إسرائيل وحشة قوي خالص ، نحن الذين نعرف هذا أصلا. تصبح الفكرة ماذا سنفعل الآن حالا لنخرج غضبنا و ليس ما الهدف و ماذا يمكننا أن نفعل لنغير خريطة القوى لكي نوقف العدوان و لا يحدث مثيله بعد عدة شهور.
في العادي التظاهر و البيانات شي إيجابي يعبر عن المساندة و التأثر و الرفض لما يحدث ، لكن في وضعنا الحالي التظاهر فش غل فقط لا غير. لأن هذا التظاهر لا يسانده أي فكرة حقيقية عن الحل. فقط لكي نشعر أننا قمنا بالولولة كما يجب. النظام المصري لا يحتاج مننا أن نبني قصة عن دوره في قصف غزة ، لو أردنا أن نعرف كيف يزيد النظام المصري وضع القضية الفلسطينية عامة سوءا، يكفينا أن نتحدث عن تصدير الغاز لاسرائيل أو العزلة التي نفرضها على الفلسطينيين ، أو العزلة التامة التي تصل للتحريم التي نفرضها عن هؤلاء الفلسطينيين الذين تسمكوا بأرضهم ببسالة و ظلوا يعيشون تحت نظام صهيوني عنصري بشكل فج. لا يجب علينا الاختيار بين أحد الصفين إما المقاومين - حزب الله ، حماس ، إيران- أو المتخاذلين - مصر ، الأردن، السعودية. يجب علينا بناء بديل فكري و سياسي حقيقي و ليس مجرد شعارات مظاهرات لا تؤثر.
أفضل ما يمكن أن نقدم لغزة هو أن نحرر بلادنا أولا، أو على الاقل أن نحقق مكتسبات. أن نبني أتجاهات سياسية حقيقية قادرة على الإجابة عن ما هو الحل الذي نقترحه اليوم و لغد. هل هدفنا الأسمى هو أن نزيل مواطني أسرائيل من على الخريطة؟ هل الهدف دولة واحدة مع حق الرجوع و التمييز الإيجابي لصالح المواطنين العرب لبعض الوقت؟
ربما عندها على هذا الأساس يمكننا أن نحدد ما هو الأسلوب الأمثل للوصول لذلك الهدف. ربما عندها سيمكننا أن نعرف ماذا نريد و لا نضطر لتشجبيع فريق من اثنين كلاهما بالتأكيد ليس الأختيار الحقيقي. ربما عندها نستطيع أن ندرك إن كانت العمليات ضد المدنيين الإسرائيليين لها أي اثر إيجابي أم لا.
آسفة لعدم وجود روابط و عدم التنظيم فأنا قرفانة أكتر من أني أعرف أعمل ده بدقة.
| |
|
