User login

Register

الحنين إلى شبشب

يا مراكبي - Fri, 2008-07-18 23:39 By يا مراكبي
كان ذلك منذ زمن بعيد .. عندما كنت ما دون العاشرة .. كانت أم محمد هي أشهر الشخصيات في العائلة على الإطلاق .. قالوا لي أنها كانت خادمة في بيت جدي الذي توفي في منتصف القرن الماضي .. لا نعلم لها عمرا محددا .. فهي قديمة جدا كأهرامات الجيزة أو أظنها أقدم .. فقد قالت لي أم محمد يوما أنها أشرفت على ولادة والدتي رحمها الله .. أظنها كانت قد أشرفت على ولادة جدي نفسه والله أعلم
.
كانت أم محمد تقضي السنوات الثلاثين المتبقية من عمرها في زيارة جميع أفراد العائلة الواحد تلو الآخر .. وما من منزل كنت أزوره إلا وأجدها فيه .. ظننت حينها أنها لا تملك منزلا أبدا .. فأنا لم أستطع يوما أن أحدد اليوم الذي لا تكون فيه موجودة في منزل أحد أفراد العائلة
.
سألت والدتي يوما عما إذا كان لدى أم محمد أبناء أم لا .. أجابتني بإستنكار لمستوى ذكائي المرتفع حينها: أمال إسمها أم محمد كده عياقة؟ قالت لي أن إسمها جميلة .. ضحكت كثيرا يومها .. وضحكت أكثر عندما عرفت أن محمد هذا الذي تدعى هي بأمه قد قارب على الخمسين عاما حينها
.
لا أدري لماذا كنا – نحن الصغار – نتضايق من أم محمد ولا نحبها .. ربما لأنها كانت تصر على أن تقوم ببعض الأعمال المنزلية بصورة بدائية تدعوا إلى التقزز .. كانت زيارة أم محمد لمنزلنا تقترن برائحة الجاز المنبعث من وابور الجاز الذي تضع عليه بستلة المياة لتسخنها وتستخدمها في غسيل الثياب .. كان ذلك يزعجني جدا جدا .. فقد أنعم علينا الله بالعديد من الأجهزة المنزلية التي تقوم بنفس العمل دون أن تكون مدمرة للبيئة والأعصاب .. لكن أم محمد كانت لا تقتنع بتلك الإختراعات أبدا .. بل وتعتبرها رجز من عمل الشيطان أو مس من الجان
.
أذكر أنه كان لدي شبشب من البلاستيك السميك .. كنت أتعمد أن أنتظرأم محمد حتى تجلس على الأرض لأقوم بالعدو على يديها أو قدميها مستخدما شبشبي البلاستيك العنيف فأسبب لها آلاما مبرحة .. ثم أعتذر لها ببراءة الأطفال: معلهش .. ما أخدتش بالي .. ثم أكرر ذلك بعد دقائق مرة أخرى .. كان لدي أمل في أن أثنيها عن زيارة منزلنا الذي يتحول بسببها إلى ورشة ميكانيكي أو فرن عيش بلدي أو ما شابه .. لكن كل محاولاتي باءت بالفشل إلى أن رحلت أنا من المنزل وتزوجت.إبنتي الصغيرة تعشق تلك الخادمة الإندونيسية الجديدة .. فهي تلعب معها حينما تشاء وتتحدث معها باللغة الإنجليزية طوال الوقت .. وفي نفس الوقت فإن تلك الخادمة تجيد إستخدام الميكروييف والغسالة الفول أوتوماتيك وغسالة الأطباق .. لا أرى من أولادي أية نية لعمل أية مقالب في تلك الخادمة وهو ما أعتبره نقص حاد في تكوين شخصيتهم المصرية التي تربينا عليها ولو بالفطرة .. يؤرقني ذلك بالفعل .. وأشعر أنني أفتقد الآن رائحة الجاز المنبعث من الوابور .. أعتقد أنني يجب أن أبحث لأبنائي عن شباشب من البلاستيك السميك .. ولي أنا أيضا
None
A comma-separated list of terms describing this content. Example: funny, bungee jumping, "Company, Inc.".