User login

Register

لما تكبر هتفهم !

Demaghy - Fri, 2008-05-16 02:37 By Mohamed Hamdy

عندما كان صغيرا , كان يتوق لتلك الأيام التى يصبح فيها كبيرا , قادرا على الإستيعاب والفهم كالكبار .. فقط ليحل كل الألغاز التى يراها حوله , ولا يجد لها تفسيرا على الإطلاق …

بدأ الأمر عندما كان فى سن الثامنه أو التاسعه .. كان منزلهم يمتلىء بالعديد من الرجال والنساء متجمهى الوجوه , لا يداعبونه إطلاقا , وكان يتعجب من هذا الحزم الذى يعاملونه به , مقارنه بالحب والحنان الذى يغدقونه عليه عندما يقابلونه صدفه فى الشارع , بينما يلعب مع اقرانه …

كانوا يأتون إلى المنزل , حيث يعيش هو ووالدته , يدخلون غرفه (الصالون) أو غرفه المسافرين كما إعتادت جدته المسنه أن تسميها , فلا يسمع من بعدها إلا أصوات عاليه متداخله , مع الكثير من (دى بقت عيشه تقرف) أو (أنا مبقتش مستحمل العيشه مع الست دى) ….

حاول مرارا وتكررا أن يدخل إلى الغرفه المغلقه , إلا أن أياد كثيره كانت تمتد لتمنعه قبل أن يكشف السر الغامض على إدراكه .. وعندما كان يسألهم عن طبيعه ما يحدث بالداخل , إما يطمأنونه كاذبين بأن كل شىء على ما يرام , أو يخبرونه بلهجه حاسمه أنه سيعرف كل شىء عندما سيكبر …

عندها .. كان ينزوى فى أحد الأركان , ويتمنى أن يغمض عينه ويفتحها فيجد نفسه رجلا كبيرا ممن يراهم يحضرون متجهمين , حتى يستطيع أن يدخل الى حيث الغرفه المغلقه .. ويعرف بالظبط سر ما يحدث بالداخل …

بعدها كانت أمه تخرج مسرعه من الغرفه وهى تبكى , بينما يندفع ابوه مغادرا الشقه فى حنق , بينما تعلق بذراعه بعض الرجال محاولين إعادته إلى داخل المنزل مره أخرى بلا جدوى …

ولم تكن أمه تحدثه عن أى شىء .. كانت تضمه إلى صدرها وتطفىء النور … فينام بعد دقائق , ولا يزال صوت بكاءها الحار يدوى فى أذنه .. رغم محاولاتها كتمان صوتها عنه …

حاول مرارا وتكرارا سؤالها عن سر بكاءها المستمر , فكانت تجيبه أنه سيعرف حين يكبر …. حينها كان يقضى الليالى فى حضن أمه الدافىء , متمنيا أن يجرى به العمر ويكبر … ويعرف الحقيقه التى يخفيها عنه الجميع ويستطيع حينها أن يسرى عن أمه …

وفى أحد الأيام حضر إلى المنزل نفس الرجال المتجهمين … ونفس النساء المكتئبه , إلا أنهم هذه المره إصطحبوا شيخا مسنا يرتدى عمامه بيضاء على رأسه .. دخلوا الغرفه وأغلقوها على أنفسهم جيدا .. أقسم هذه المره أن يعرف ما الذى يدور بالداخل .. وضع أذنه بمحاذاه الباب ليحاول إستراق السمع … لم يسمع سوى صوت الشيخ المسن وهو يقول بحزم : يا جماعه شاوروا نفسكم .. ده ابغض الحلال عند الله !

كالعاده لم يعى شيئا .. إلا أنه أدرك بالغريزه أن شيئا كبيرا يحدث حوله , وهو الوحيد الذى لا يعرف شيئا … كل هذا بسبب كونه لايزال صغيرا ….

إنتهت جلسه الناس فى منزلهم هذه المره بسرعه … كالعاده رحل والده سريعا دون أن يعيره أى إنتباه .. بينما غادر الرجال المنزل بسرعه واحدا تلو الاخر … بقى النساء بجانب أمه يحاولن أن يخففن عنها مصيبه لا يعلمها .. ويضمدون جراحا نفسية لا يعى مدى خطورتها …

ومر اليوم كباقى الأيام … ضمته إلى صدرها وأخذت تبكى … بينما هو يلعن صغر سنه الذى يجعله غير قادر على الفهم إلى هذا الحد …

ومن يومها إنقطعت زيارات المتجهمين والمكتئبين إلى منزلهم … ربما استمرت لمده يوم أو إثنين بعد هذه الزياره الحاسمة , ثم توقف كل شىء بغته , وكإنما سقط هو وأمه فى هوة النسيان فلم يعد يتذكرهما احد …

ومرت الأيام كئيبه حزينه … كانت أمه تخرج به إلى السوق لتشترى إحتياجات المنزل , وكان يسمع عبارات غريبه تتبادلها امه مع البائع .. عبارات من طراز : اصبر عليا شويه يا حاج ده الدنيا اتخلقت فى ست ايام … أو أن يقول لها البائع جملا طويله .. لا يفهم منها سوى كلمات متفرقه مثل : حسابك تقل أوى .. انا فاتحها دكان مش جمعيه خيريه …

وعندما كان يسألها عن سر هذه الشجارات المتكرره , كانت تقول له جملتها المعهوده : لما تكبر هتفهم …

وفى الأيام التاليه , بدا يشعر ببعض التغيرات فى حياته … أصبحت الوجبات التى تقدمها له امه تتباعد الفترات الزمنيه بينها شيئا فشيئا .. حتى أنه فى بعض الأيام كان يتناول طعام الغذاء فقط فلا يتناول الإفطار أو العشاء , حتى وجبه يوم الخميس التى تكون عامره باللحوم أو الدواجن إختفت هذه الاصناف المحببه اليه من المائده لتحل محلها صنوف الجبن القديم والعيش البائت ….

كان يلعن كل يوم كونه مايزال صغيرا غير قادرا على فهم كل هذه التغيرات حوله , إلا أنه كان يشعر أن أمه فى ورطه , وأنه يجب أن يساندها .. فقط لو كان أكبر قليلا

ومرت الأيام على نفس المنوال … نهار ملىء بالمشكلات والشجارات , وليل ملىء بالدموع والتنهيدات …

حتى جاء صباح إستيقظ فيه فلم يجد نفسه بين أحضان أمه … بحث عنها فى كل مكان فلم يجدها .. ومن ركن بعيد من منزلهم خرج عليه وجه مألوف .. أنه البائع الذى كانت امه تتشاجر معه منذ عده ايام …

أستقبله الرجل هاشا باشا على غير العاده .. عندما كان يقذفه بالتالف من بضاعته إذا رأه يلعب بالقرب من دكانه … أعطاه الرجل ورقتين كل منها فئه الجنيه .. وقال له : خد ياض .. اشترى حاجه حلوه لأمك …

قطع حديثه خروج والدته من الحمام للتو … وقد لفت شعرها بفوطه مهترئه , وتساقط الماء من شعيراتها كورده إرتوت منذ لحظه … إلا أن البائع توقف لحظه عن الحديث ثم سرعان ما استكمل جملته وهو ينظر لأمه قائلا : أمك دى تستاهل كل خير …

هكذا طار إلى حيث بائع الحلويات , وإشترى ما كان يشعر بالحرمان منه … وعندما عاد وجد أمه قد حضرت طعام الغذاء … خضروات شهيه من التى يبيعها هذا الرجل فى دكانه …

وفى الأيام التاليه شعر بإنفراجه حقيقيه فى حياته … ارسلته امه الى الجزار فى اول الشارع وأخبرته أن يقول للرجل : هات الأمانه بتاعه امى … ورغم أنه لم يفهم حرفا من هذه الرساله , الا ان الرجل اعطاه كيسا من اللحم المختلط بالدهن … وهكذا تناول اللحم فى طعام الغداء بعد شهور من القحط …

وفى أحد الأيام , استيقظ من نومه بعد منتصف الليل وقد أحرقته مثانته المليئه بالبول .. فى الطريق الى الحمام سمع صوت أمه صادرا من حجره النوم .. كانت تتأوه كأنما يضربها أحدهم ضربا عنيفا .. اقترب من الباب المغلق فسمع الصوت أكثر وضوحا .. وخطر فى باله أنه ربما أحد اللصوص يحاول سرقه والدته فأسرع يفتح الباب ففوجىء به مغلقا من الداخل .. وبعد لحظات خرجت عليه أمه منزعجه للغايه , وقد ارتدت قميص النوم الضيق الذى كفت عن ارتداؤه منذ كان ابوه يتردد على المنزل فى نهايه كل اسبوع …

اصطحبته الى الحمام واسرعت به الى حيث غرفته , سالها عن حقيقه ما يحدث فى غرفتها فقالت له أنها كانت تحلم أن هناك من يضربها .. لمح فى عينها الكذب فقالت له جملتها المعروفه : لما تكبر هتعرف !

وفى اليوم التالى توقف صاحب المنزل عن المطالبه بالإيجار المتاخر ….

ومرت الايام وإزدادت حالتهم إنتعاشا .. إلا أن المشكلات استمرت بشكل متقطع بين امه وبين بعض النسوه .. كالعاده لم يدر لماذا تدور كل هذه المشاجرات والمشاحنات .. سمع كلمات متناثره عن (الوليه الفاجره) أو شىء من هذا القبيل , وعندما سأل أمه عن معنى هذه الأحاديث , أخبرته أنه سيعرف كل شىء عندما سيكبر …

أصبح يكره هذه الإجابه التى لا تنفك أمه تخبره بها فى كل وقت … لما تكبر هتعرف .. لما تكبر هتعرف … صار يتمنى أن يغمض عينه ويفتحها فيجد نفسه كبيرا قد عرف كل شىء ..

كان يريد أن يعرف سر إصرار أمه أن ينام قبل الحاديه عشر كل يوم حتى فى أيام الأجازه المدرسيه .. كان يريد ان يعرف سر هذه العلامات الزرقاء التى تظهر على رقبه أمه وذراعيها أحيانا .. ولماذا يزورها الجزار وبائع الخضار ومحصل الكهرباء وصاحب المنزل كثيرا حتى المدرسين الخصوصين والحلاق الذى يحلق له شعره كانوا يأتون لأمه ويمكثون لديها حتى موعد نومه , فينام دون أن يلاحظهم يغادرون المنزل ؟ كان يريد أن يعرف لماذا يتغامز الناس عليه فى الشارع , بينما يطرده بعض الباعه من محلاتهم بالرغم من أنهم يحضرون لزيارة امه فى المنزل كثيرا ؟! , ويشتمه أقرانه وينعتونه بإبن (الشرمـ…..) …..

وفى أحد الايام أصيبت أمه بمرض غريب … ذهبت إلى المستشفى الحكومى وهو بصحبتها , فعاملها الجميع بإزدراء , على الرغم من المعامله المتوسطه الجوده التى يلقاها المرضى الأخرين, وهددها أحد الأطباء بكلمات لم يفهم الكثير منها بسبب سرعه تحدث الطبيب الشاب .. كانت الكلمات تتطاير من فمه فتصيب روح أمه وتدميها بقوه أكبر من قوه الرزاز المتطاير من فم الطبيب الثائر … سمع كلمات مثل (إنتى عارفه وأنا عارف الى عندك ده من إيه) , أو عبارات التهكم من الأطباء الشباب تحت التمرين والتى كانوا يسقطون أرضا من شده الضحك بعد كل (أفيه) يطلقونه على أمه المريضه .. وكان كالعاده لا يفهم سر ضحكهم المبالغ فيه أمام والدته … كأن يقول أحدهم : (يظهر الزبون المره دى كان شديد اوى) ….

.. وتم حجز أمه فى أحد العنابر القذرة .. وقرأ بصعوبه بالغه اللوحه القذره على مدخل العنبر التى كتب عليها بخط نسخ (عنبر مرضى الزهرى) … وفاجأتها حمى غريبه وطفح جلدى … فسهر بجوارها يبكى ويبكى …

وكان أخر سؤال وجهه لها : إنتى عندك ايه يا ماما ؟

وكانت أخر كلماتها فى الحياه : لما تكبر هتفهم !

تمت

None
A comma-separated list of terms describing this content. Example: funny, bungee jumping, "Company, Inc.".