Africano - - Mon, 2008-03-24 14:25 By African Doctor
يخطيء من يظن النقاشَ حول الطلاق في المسيحية جديداً. و الواقع أنه أقدم من العصر الحالي و من لائحة 1938 – و التي يتم دائماً الإشارة إليها باعتبارها أقدم ما صيغَ في الكنيسة القبطية بخصوص تشريع الطلاق. ماذا إذاً عن "ما قبل 1938" – إذا جاز التعبير؟ و ماذا عن الكنيسة القبطية قبلها؟ و ماذا عن الكنيسة الجامعة قبل الانقسام؟
لفت انتباهي صديقٌ منذ أيّام إلى أن تعبير "زواج كاثوليكي" غارقُ في التغريب؛ إن هذا التعبير الذي دائماً ما يراد الإشارة به إلى علاقة لا تنحلّ يعتمد أساسً على كون الكنيسة الكاثوليكية تمنع الطلاق تماماً – حتى لعلّة الزنا ! لكن الكنيسة الكاثوليكية في المقابل لها نظامٌ محدد للانفصال بين الزوجين؛ و هو نظامٌ يوحي أنه مقتبَس مما هو أقدم و أكثر أصالةً – ربما من روافد ما قبل الانقسام.
لا شكّ أن الكنيسة الجامعة – و تلى ذلك الكنائس الرسولية – قد اعتبرت دائماً الزواج سرّاً مهماً فيه يعمل الروحُ القدس من خلال شخصين يجمعهما الحُبّ خالقاً بهذا أيقونةً للكنيسة. إن التشبيه الأقرب لاتحاد المسيح بالكنيسة كان دائماً هو اتحاد الرجل بامرأته. و هكذا – و من منطلق خصوصية الزواج في الكنيسة – فإنها اعتبرت هدم عهد الزواج أمراً خطيراً يستوجب الحذر. لكن، على الجانب الآخر، فإن الكنيسة كانت دائماً واعية لاختلاف طبيعتها عن المؤسسات الزمنية، و لا ختلاف المسيحية عن الديانات الأخرى كونها لا تحمل تشريعاً بل بشارةً و حياةً. و على هذا الأساس سلّمت الكنيسة أمرَ البتّ في مشاكل الزواج بيد الأسقف، الذي كان من حقه أن يطلّق الزوجين بعد أن يبحث بنفسه الأمرَ بينهما. و صرّحت الكنيسة بالزواج الثاني و الثالث أيضاً بعد التطليق على يد الأسقف. (على هذا الأساس يمكننا فهم وجود طقوس في الكنائس الشرقية للزواج الثاني و الثالث، سيتم الرجوع إليها فيما بعد)
لقد تطورت هذه الممارسة خلال العصور المختلفة. و قد عُرفت فيما بعد "بالإيكونوميا" و هي كلمة يونانية تعني "التدبير". و قد عنى الآباء بالتدبير هذه المساحة التي تستطيع فيها الكنيسة أن تتفهم حالة كل زوجين على حدة وتقرر معهما ما هو أنسب للطرفين. في هذه الحالة، فإن الكنيسة تلغي – في ألم و حزن شديد – عهد الزواج حرصاً منها على طرفيه. يقول يوحنا ذهبي الفم : "في هذه الحالة يكون من الأفضل حلّ العهد من أن يخسر الإنسان نفسه!"
أمّا التصريح بالزواج الثاني، فقد اعتبرته الكنيسة في إطار "الإيكونوميا" تعاملاً خاصاً مع الضعف البشري. و من هنا فإنه من حقها أن تعطي تصريحاً من منطلق تفهمها لطبيعة الإنسان و عملها الخلاصي في خدمته. لكن الكنيسة لم تجعل التصريح بالزواج تلقائياً يتبع التطليق، لكنها أعطته من واقع كل حالة على حدة.
لم تستمر هذه المباديء بشكل واضح حتى اليوم سوى في الكنائس الأرثوذكسية الشرقية (و هي العائلة الكبرى من الكنائس الأرثوذكسية التي تعترف بمجمع خلقيدونية، تمييزاً لها عن الكنائ الشرقية القديمة – العائلة الأصغر التي لا تعترف بالمجمع، و فيها الكنيسة القبطية). حتى اليوم، يستطيع الأسقف في الكنيسة الأرثوذكسية أن يعطي حقاً بالتطليق إذا ارتأى هذا بعد دراسة حالة الزوجين. وقد يتبع التطليق تصريحٌ بالزواج أو لا يتبع. لكنّ الكنيسة لا تعطي تصريحاً بالزواج بعد المرّة الثالثة، كذلك فإنها تمنع اختيار الكاهن من بين أبناء الزواج الثاني.
ربما يفسر هذا وجود طقس للزواج الثاني و الثالث في الكنائس الشرقية أيضاً. هذا الطقس الذي يختلف في مضمونه كثيراً عن طقس الزواج الأول. لا يتسم طقس الزواج الثاني بالفرح و البهجة بقدر ما تعلن فيه الكنيسة توبتها و ألمها و اضطرارها لهذا التصريح حرصاً منها على خلاص الإنسان و تفهماً منها لضعفه البشري. لا يمكن فهم هذا الطقس في إطار التصريح بالزواج الذي يتبع طلاقاً لعلّة الزنا فقط، ففي هذه الحالة ليس الطرف المتزوج هو المُخطيء و بالتالي فإنه لا مبرر للتوبة. إلا أن هذا الطقس يتضح بشدة في سياق مفهوم الكنيسة المقدس عن الزواج كسرٍّ يعمل فيه الروح القدس، و في سياق واقعيتها كذلك و إدراكها أن هذا العمل يتم من خلال بشرً قد لا يستطيعون دائماً الاستمرار بشكل صحي في العلاقة.
إن مفهوم "الإيكونوميا" – "التدبير" قد وضعته الكنيسة انطلاقاً من فهمها لطبيعة رسالة المسيح الخلاصية للإنسان، و كذلك انطلاقاً من تعليمه المباشر للكنيسة – من خلال الرسل – أن "ما تحلّونه على الأرض يكون محلولاً في السماء و ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء". هذا التصريح لم تستخدمه الكنائس الشرقية بإفراط (كحال الغرب مثلاً) لكنها وضعته في إطار فهمها لرسالتها كخادمة للإنسان و محققة لغاية رسالة المسيح المفرحة.
ليست لائحة 1938 إذاً – و في ضوء هذه الخلفية – إلا صياغةً لما مارسته الكنيسة غالباً دون لوائح. و الواقع أن صياغة اللائحة في حد ذاته و تقديمها للدولة كقانون الأحوال الشخصية للمسيحيين من قبل المجلس المللي، صياغتها و تقديمها جاءا في إطار محاولة المجلس المللي و قتها للحدّ من سلطة الإكليروس و توسيع سلطات المجلس الذي يمثل العلمانيين.
لكن وجود اللائحة من عدمه هو في النهاية تحصيل حاصل؛ فالمهم هو مدى تفهم الكنيسة لدورها و انفتاحها الإنساني على معاناة الناس و آلامهم، و استعدادها – في النهاية – لاستخدام سلطانها الممنوح لها في خدمة الإنسان و سعادته انطلاقاً من وعيها لبشارة المسيح.
(نُشرت بالبديل 24/3/2008)
read more »| |