الكاتب والروائي المصري محمد العشري لـ " الوسط اليوم ": الرواية العربية تحولت إلى سلعة لدى بعض الكتّاب و نقد القيمة الأدبية أصبح غائباًالكاتب حوار خاص بـ"الوسط اليوم أجرته الزميلة ريم قمري -تونس
الأحد, 14 مارس 2010 06:34 محمد العشري" الإنسان هائم في الكون بحثاً عن جنَّته الخاصة والمحبون وحدهم يلمسون بقلوبهم جوهر الأشياء"
محمد العشري كاتب وروائي مصري، تشغله أسئلة الحياة الكبرى عن معني الحياة و كنهها فيحملنا في رواياته على جناح الخيال في محاولة للجمع بين الواقعي و الخيالي مفسرا احدهما بالآخر، يكتب بحثا عن الأجوبة فيخلق عوالم سحرية في كتاباته و يتطرق بالحديث عن المسكوت عنه تاريخيا في سعي منه لنحت معالم مستقبل أفضل ،فيأتي أسلوبه عميقا في بساطته و فريدا في التعبير عن نفسه بكل ما يعتريها من متغيرات وأهواء وثوابت، يكتب ليخلص نفسه من ضجيج العالم فتحتضن الصحراء بفضائها الشاسع و موروثها الأسطوري الهائل عالم رواياته فتأتي كل كتاباته جزء من رؤيته الكونية الشاملة للعالم .
حوار خاص بـ"الوسط اليوم أجرته الزميلة ريم قمري -تونس
التقينا به و كان لنا معه الحوار التالي
الوسط اليوم: لو سألتك عن بداياتك وأي علاقة ربطتك بالكتابة والرواية و أنت الجيولوجي التكوين ؟
العشري:اهتماماتي المبكرة بدأت بالفن التشكيلي، فمارست الرسم لفترة طويلة امتدت من الطفولة حتي المرحلة الجامعية، وانطلقت منه إلي كتابة الشعر، فنشرت قصائدي الأولي في مجلة الشعر المصرية، ثم تحولت إلي القصة القصيرة ومنها إلي الرواية، التي وجدت في كتابتها ما يحتويني ويناسب طموحاتي، اكتشتف أن كل ما كنت أمارسه كان مرحلة بحث عن باب أدلف منه لأجد نفسي، ما أطمح أن يمثلني ويحمل رؤيتي تجاه نفسي أولاً، وتجاه الحياة والناس ثانياً فوجدته في كتابة الرواية، كل ذلك تشكل قبل أن أبدأ عملي الجيولوجي في البحث والتنقيب عن البترول، ذلك العمل المثير، لأنك تتعامل مع مجهول كامن في طبقات بعيدة تحت سطح الأرض، وعليك أن تكتشف وجوده، وهو ما أكسبني عيناً ثالثة، وخيالاً متقداً، ينفذ في طيات الواقع، ويلمسه، لأكتشف أن العمل الجيولوجي بحث في المخبوء الأرضي من أجل الثروة، والأدب بحث في المخبوء النفسي من أجل اكتشاف ثراء الإنسان.
الوسط اليوم: صدر لك خمس روايات لو تحدثنا عن تجربتك أكثر؟
العشري:في روايتي الأولى "غادة الأساطير الحالمة" اعتمدت في بنائها على أجواء غرائبيبة، ثم في رواياتي: "نبع الذهب"، "تفاحة الصحراء"، و"هالة النور" خرجت إلى فضاء الصحراء، وفتنتها الباهرة، لأن الصحراء تجرد كل شيء وتخلصه من الزوائد والشوائب، تجعل رؤية الداخل أكثر وضوحاً، وصراحة، وصدقاً، وهو ما أكسبني عيناً جديدة، جعلت نسيج الكتابة أكثر رهافة، وميلاً إلى الوصول إلى الهدف، وفي رواية "خيال ساخن" اتسعت الرؤية، والتفاصيل أصبحت أكثر دسامة، والجنوح إلى اكتشاف الحياة، وماهية الحب والعشق، أرضاً، وبحراً، وجواً، وروحاً، وجسداً "دون ابتذال" أصبح هدفاً، في تلك الرواية لم أصل إلى طريق إلا وسلكته، بحثاً عن تلك الخصوصية، التي تجعل من العشق وتجربته عبر خيالها الساخن أول أبواب المعرفة بالذات واكتشافها.
الجوائز الأدبية تفتح نافذة أوسع لقراءة العمل الأدبيالوسط اليوم: ما أهمية الجوائز الأدبية وما مدي تأثيرها في مسيرتك وأنت الحائز على العديد منها ( أربع جوائز )؟
العشري:تكمن أهمية الجوائز الأدبية في أنها تفتح نافذة أوسع لقراءة العمل الأدبي والروايات، وتساهم في معرفة القارىء بها وإنتشارها، خاصة تلك الجوائز التي لها صدى إعلامي واسع، وترعاها مؤسسات وهيئات لها ثقلها الإعلامي، ولا أنكر أنه من الجميل والمفرح أن تأتي الجوائز من حين لآخر، لأن هذا معناه بشكل أو بآخر أن هناك تقييم ورصد للتجربة الروائية على المستوى النقدي.
الوسط اليوم: من خلال أعمالك هناك حضورا للصحراء و الأرض خاصة انك تعمل في مجال البحث والتنقيب عن البترول فهل يجوز القول بوجود علاقة جدلية تربط بين الكتابة وهذه الأمكنة لديك؟
العشري:فضاء الصحراء والموروث الأسطوري، يشكلان البعدين الرئيسين لكتابتي الروائية، فاهتمامي المبكر يبحث عن الأساطير. أيضأً للدراسة العلمية، والتخصص في علم طبقات الأرض، والبحث في أسباب نشأتها، وأزمنة تشكيلها، وطريقة تكوّنها. ثم مرحلة العمل في صحراوات مصر الشاسعة، والبحث عن مكامن وأماكن تجمع البترول، ذلك السائل الخرافي، الذي غيّر شكل الحياة على كوكب الأرض، ويكاد يكون السبب في كل ما نعيشه من أزمات في وقتنا الراهن، نتيجة للصراع على الحصول على أكبر حصص منه تأثير آخر، تسرب في وجدني، ورسب فيه ما أقنعني أن التفكير العلمي مهم جداً حتى بالنسبة لكتابة الأدب. أعتقد أن التجربة الحية المعاشة في الصحراء، ولمس نبض الرمال، وسخونتها، والجرى وراء السراب ومحاولة الإمساك به، وإدخاله إلى حيز الوجود، ساهم إلى حد كبير في إنتاج لغة خاصة بتلك الهزات النافذة في الأعماق، كما يفعل الزلال حين يأتي من الأعماق وتظل موجاته في تصاعد حتى تصل إلى سطح الأرض.
الوسط اليوم: لو نتحدث عن روايتك تفاحة الصحراء و الرسالة التي أردت التعبير عنها من خلال هذه الرواية خاصة انك طرحت فيها موضوع الألغام و ما تشكله من خطر يجعلها غولا رابضا في كل لحظة يحصد أرواح البشر؟
العشري:قبل كتابة رواية "تفاحة الصحراء" عكفت على قراءة تاريخ منطقة العلمين، خاصة فترة الحرب العالمية الثانية، وما دار منها في الصحراء الغربية على إمتدادها في إفريقيا، وخلصت إلى أنها لُغمت بشكل خطير، لم يسبق له مثيل، والمدهش أنني اكتشفت أنه لا توجد خرائط لحقول الألغام المنتشرة في الصحراء الغربية، لسبب بسيط، وهو أن "منتجمري" زرعها، أو بدرها وراءه وهو في حال فرار من "روميل"، فكيف يتأنى لقائد مهزوم، يفرّ أمام قائد منتصر أن يهندس ويرسم ويضع خرائطاً لحواجز يضعها وراءه لتسد الطريق على مهاجمه. أردت من خلال هذه الخلاصة أن نكف عن المطالبة بتلك الخرائط من أناس ودول تماطل في الرد، لأنها لا تملكها، ولا تعلن ذلك صراحة، ونعمل على نزع تلك الألغام بشركات خاصة، كالتي تستأجرها شركات البترول، لتنظيف مناطق البحث عن البترول. لأن تلك التفاحات القاتلة النائمة تحت الرمل متأهبة للانفجار بمجرد لمسها تمنع خيراً وفيراً، وثروة طائلة من الممكن جنيها من تلك الصحراء، في مجال التعدين والزراعة أيضاً. هذا، فضلاً عن الأهم، وهو حياة الإنسان البدوي، الذي يعيش في تلك المناطق، ويتعرض للموت والتشوه كل يوم من تلك الألغام النائمة تحت قدميه، وتمنعه من أن يعيش حياته بشكل طبيعي.
الوسط اليوم: هل تعتبر أنك في رواية تفاحة الصحراء تحدثت عن المسكوت عنه؟
العشري:ليس مسكوتاً عنه، بقدر ما هو واضح للعيان، على الرغم من توفر الحلول البديلة. المشكلة لا تكمن في الألغام وحدها، هناك مشكلة أكبر، وهي أننا ملأنا وادي النيل والمنطقة المزروعة بالمنشآت الصناعية، التي لوثت ماء النيل، وجرّفنا الأرض الزراعية من أجل بناء المساكن، وننادي بإستصلاح الصحراء، وذلك أمر بالغ الصعوبة، الأجدر والأنسب، أن نترك وادي النيل للزراعة، ونفرّغه من المصانع والمنشآت الصناعية بعمالها وننشيء مجتمع صناعي في الصحراء، قائم على إستغلال الطاقة (البترول والغاز) في توليد الكهرباء والحصول على الماء وتيسير الحياة على الإنسان المصري، الذي يعاني كثيراً.
أكتب وفق منطق البيئة التي أتصدى لها بأناسها وأشخاصها
الوسط اليوم: في رواياتك الشخوص حقيقيون عايشتهم في الواقع فهل تعتبر أن الرواية يجب أن تكون ضرورة واقعية حتى تكون صادقة و مؤثرة؟
العشري:في رواياتي هناك أماكن عديدة يتحرك ويعيش فيها أبطال الروايات، بحضورهم الذاتي، وكيانهم الشخصي في الواقع. وهناك أماكن جديدة، يمرون عليها أو يقيمون فيها، لذا سيجد القارىء أن بيئة كل رواية طاغية على الحكي في مناطق كثيرة، وتشد إليها أشخاصها ليذوبوا في تفاصيلها، حتى لو كانت بيئة الرواية مستقلة عن الراوي، إلا أن رائحتها تُشكل لديه مجسات وآثار أقدام تدله على الطريق. وهذا معناه أنني أكتب وفق منطق البيئة التي أتصدى لها بأناسها وأشخاصها، مع إنتباهي إلى تاريخ المكان والأحداث الدائرة فيه، بحضورها الصحيح، ويأتي دور الخيال ليتفاعل مع الواقع، ويشكل عجينة لبناء المتن الروائي، ويغير من شكل وتفاصيل الأشياء والأشخاص، وفق ما تتطلبه الضرورة السردية، أعتقد أن هذا أكثر صدقاً وتأثيراً في التعامل مع الواقع، والخيال في ذات الوقت.
الوسط اليوم: أنت تعتمد طريقة تداخل الأزمنة والأمكنة وهذا يبرز بوضوح في رواية تفاحة الصحراء لماذا اختيار هذا الأسلوب في الكتابة ؟
العشري:في رواية "تفاحة الصحراء" تدور أحداث السرد في منطقة "العلمين" بالصحراء الغربية المصرية، بما تحمله تلك المنطقة من حضور في الحرب العالمية الثانية، في الأربعينيات ويأتي الخيال لإستحضار ذلك العالم النائم تحت الرمال ليحييه من جديد، ذلك أحد أزمنة السرد في الرواية، والزمن الآخر، هو الزمن الحالى، وما تعيشه المنطقة من جديد، في ظل وجود شركات البحث والتنقيب عن البترول فيها، لذا، يتأرجح الزمن بين الماضي والحاضر لرصد تاريخ وأحداث غيرت في شكل المكان قديماً، ولا زال ذلك التغيير والتأثير مستمر في الوقت الراهن، بإستعمار من نوع جديد، بصورته الإقتصادية. ربما أميل إلى تلك التقنية في الكتابة للوقوف على تفاصيل أكثر، لها حضورها الفاعل، وتمتد عبر الزمن، دون أن يتوقف أمامها الإنسان لتغيير نمط حياته، وإكتشاف تلك الأوجه الكثيرة التي يكتسبها دون أن يدري.
الوسط اليوم: نلاحظ أنك تشخصن في روايتك الحيوان والجماد أيضا؟
العشري :دائماً ما أسعى في كتاباتي إلى أنسنة الأشياء، والأماكن، والتعامل معها بحضورها الذاتي، وتأثيرها فيما حولها من كائنات، أي أتعامل معها كأشخاص وأناس، ذوات أرواح وحيوات، وهذا جزء من رؤيتي الكونية، ومعادل لمفهومي عن الحياة، وتشعبها।
الهائمون حبّاً ينهـلون من الدنيا سعادة الحياة
الوسط اليوم: نلمس من خلال كتابتك انك لديك فلسفة خاصة جدا في الحياة هل حدثتنا عنها؟
العشري:الإنسان هائم في الكون بحثاً عن جنَّته الخاصة، والمحبون وحدهم يلمسون بقلوبهم جوهر الأشياء، والهائمون حبّاً ينهـلون من الدنيا سعادة الحياة، ذلك ما أؤمن به، وأسعى للمسه। لأن الإنسان في حنان دائم لتلك اللحظات الرومانسية، التي تعيد لإنسانيته هدوءها، وتأملها، وسكونها المريح، في ظل ما يعيشه الإنسان من صراع يومي من أجل أشياء كثيرة، يبدو معها أشبه بالمحارب، من أجل إثبات ذاته، والمحافظة على توازنها. أعتقد أنه لا مفر من العودة إلى تلك الحياة الرومانسية بما تتركه من أثر عميق، يُشعر الإنسان بآدميته في تلك الحياة الحديثة، التي تسعى إلى طحنه في تروسها المتسارعة، مهما قال النقاد من كلام يعتمد على النظرية في قراءة الواقع، دون لمس ما يحتاجه، ويشعر به الإنسان. أعتقد أن هذا هو الخيط كما أراه، ينفذ ويمر ويسير معي من رواية إلى أخرى.
الوسط اليوم: ما تقيمك لواقع الرواية العربية وهل تراها في خطر ؟
العشري:الكتابة والفضفضة في الجنس أصبحت ظاهرة في الرواية العربية، خاصة لدى الكثير من الكاتبات، ويبدو أن هذا هو التوجه العام في الرواية الآن، خاصة أنه يحقق للكاتب ويجذ إليه الكثير من القراء، وذلك لأن نقد القيمة أصبح غائباً الآن، أزمة الرواية العربية في الوقت الحالي أنها تحولت إلى سلعة لدى بعض الكتّاب، مما حمّلها مسئولية أن تخضع لآلية السوق، وهو ما عرّاها من الفن والعمق، وجعلها مبتذلة تستعرض جسدها على الملأ، لتثير حواس القارىء بقشورها الخارجية، كما تفعل مغنيات القنوات الفضائية. الغريب أنها تجد من يصفق لها بحماس بإعتبارها النموذج الأمثل للرواية، وهو ما دفع الكثير من الكتاب إلى الإستسهال، وملأ كتاباتهم الروائية والقصصية بالفضفضة في الجنس، والسياسة، والتعدي على الدين، على حساب القيمة والمضمون، ودون توظيف جيد، أو أن يتم ذلك بشكل فني. وقليلة جداً الروايات التي استطاعت أن تنجو من فخ الاستسهال، وأن توظف الجنس توظيفاً جيداً يخدم العمل الروائي.
الوسط اليوم:ماذا بعد روايتك الأخيرة خيال ساخن؟
العشري:أعمل حالياً على إتمام رواية جديدة، وضعت لها عنواناًً: تانيس "رائحة أيام منسية"، وهي جزء أول من مشروع روائي أخطط له منذ فترة، لرصد التغييرات التي طرأت علي الريف المصري من خلال قرية تقع علي ساحل بحيرة "المنزلة" في شمال مصر، هجر معظم أهلها حرفة صيد الأسماك، وانتشروا في البلدان العربية، مخلفين وراءهم بيوتاً، ونساءً، وأطفالاً في حاجة إلي من يرعاهم، تاركين الأسماك لتتوحش في مياه البحيرة وتأكل بعضها البعض। والإسم: "تانيس"، يعود إلى مدينة فرعونية غارقة في مياة تلك البحيرة واكتشفت مؤخراً।
| |
|